محمد بن جرير الطبري
4
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
اما بعد ، فان الله جل جلاله ، وتقدست أسماؤه ، خلق خلقه من غير ضرورة كانت به إلى خلقهم ، وأنشأهم من غير حاجه كانت به إلى انشائهم ، بل خلق من خصه منهم بأمره ونهيه ، وامتحنه بعبادته ، ليعبدوه فيجود عليهم بنعمه ، وليحمدوه على نعمه فيزيدهم من فضله ومننه ، ويسبغ عليهم فضله وطوله ، كما قال عز وجل : « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ » . فلم يزده خلقه إياهم - إذ خلقهم - في سلطانه على ما لم يزل قبل خلقه إياهم مثقال ذره ، ولا هو ان أفناهم واعدمهم ينقصه افناؤه إياهم ميزان شعره ، لأنه لا تغيره الأحوال ، ولا يدخله الملال ، ولا ينقص سلطانه الأيام والليال ، لأنه خالق الدهور والأزمان ، فعم جميعهم في العاجل فضله وجوده ، وشملهم كرمه وطوله ، فجعل لهم اسماعا وابصارا وأفئدة ، وخصهم بعقول يصلون بها إلى التمييز بين الحق والباطل ، ويعرفون بها المنافع والمضار ، وجعل لهم الأرض بساطا ليسلكوا منها سبلا فجاجا ، والسماء سقفا محفوظا ، وبناء مسموكا ، وانزل لهم منها الغيث بالإدرار ، والأرزاق بالمقدار ، واجرى لهم فيها قمر الليل وشمس النهار يتعاقبان بمصالحهم دائبين ، فجعل لهم الليل لباسا ، والنهار معاشا ، وخالف - منا منه عليهم وتطولا - بين قمر الليل وشمس النهار ، فمحا آية الليل وجعل آية النهار مبصره ، كما قال جل جلاله وتقدست أسماؤه : « وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا